|
الوزير
التكنوسياسي
م. صارم
رسول الفيلي
لعل
ضخ دماء جديدة في شريان العمل الوطني
يأتي
في مقدمة استحقاقات المرحلة السياسية بعد الانتخابات المقبلة, لإحداث
التغيير
المطلوب في مؤسسات الدولة العراقية وتفعيل سياسات البناء والتطوير.
ليس
تغييرا لمجرد التغيير أو خضوعا لدورة محاصصية جديدة ترضى بها
الأطراف السياسية وإنما للعمل على تشكيل كتلة من القادة التنفيذيين
ابتداء من
الوزراء يتسلحون بالعلم في مجال التخصص والإخلاص والمعرفة والقدرة على
حسن التصرف
في
مواجهة التحديات والمشاكل باستخدام مجسات سياسية تستشعر الأجواء
الشعبية
وتتفاعل معها في مساحات الجهد التنفيذي والإداري , وبحس سياسي يدرك
التحديات
والإمكانات والطموحات ليوازن بينها , في إطار من التفكير العلمي القائم
على الابداع
والاستخدام الفعال للتخصيصات والأدوات والآليات والإدارة المثلى
للكوادر البشرية
والمعلومات والخبرات المختزنة وعامل الزمن كقيمة متضمنة ومضافة لأية
نشاطات. فلا
يورط
الوزير نفسه بوعود غير قابلة التنفيذ في إطارها الزمني فيربك الخطة
العامة
وأعمال زملائه في الوزارات الأخرى نظرا للتشابك والتداخل بين القطاعات
المختلفة.
وهذه
تستدعي مزيدا من الشفافية في وضع وتنفيذ السياسات الوزارية بالاضافة
للمزيد
من
الانفتاح على الصحافة ووسائل الاعلام وتزويدها بالمعلومات المطلوبة ما
تحرك
بها
آليات التواصل مع الجماهير ومصارحتها بالحقائق لتكون في موقع الاستعداد
لتحمل
مسؤولية دعم وإسناد السياسات المتبعة.
وفي
تقديري أن منصب الوزير في دولة تشهد
تحولا
على كافة المسارات يختلف عن منصب الوزير في الدول التي تتوفر على
مؤسسات
راسخة
, ففي الأخيرة يوجد تراكم صحيح للخبرات الأكاديمية والمهنية في
الوزارات
,
الأمر الذي يسهل تعاقب الوزراء في وزارة ما تبعا للدورات الانتخابية
أو للتباين في
المنظور العام للسياسات الواجبة إتباعها سواء على المستوى الاقتصادي
أو الخدمي أو
الدبلوماسي مع اعتماد الوزير الجديد على خدمات وخبرات أنفسهم
التكنوقراط الموجودين
في
الوزارة والذين تمت عملية اختيارهم وفق أسس علمية بعيدا عن المحاصصة!
لذا يمكن
أن
نجد الوزير السياسي في وزارة صناعية أو زراعية أو خدمية , فعمله يتركز
في
متابعة النظم الموجودة والتصدي لمسؤولية الإدارة وتنفيذ سياسات
الوزارة وفقا
لستراتيجية مستوحاة من الستراتيجية العامة للحكومة
.
أما
في دولة كالعراق تمر
بمرحلة بناء مؤسسات , لا يستطيع منصف إنكار الاستسلام لضوابط غير
موضوعية عند
اختيار مفاصلها التنفيذية والإدارية في أكثر أو بعض الأحيان خلال
الفترات السابقة
بالاستغراق في المحاصصات التي طغت على التفضيل المرتكز على أساس
التحصيل العلمي
والكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز , وهذا يفسر تسلل الكثيرين
إليها من غير
المؤهلين علميا , وما التصريحات التي تطلق من الجهات المختلفة عن وجود
تزوير أو
تقديم
شهادات غير قابلة للمعادلة وفقا للقوانين العراقية النافذة, وترتيب
حقوق
وظيفية وحمل ألقاب علمية على أساسها ما يفرغ الدرجة العلمية من
محتواها , ويساعد
في إشاعة ثقافة الإطاحة بالمعايير وطمس القيم ويبخس الآخرين حقوقهم
في المنافسة
المشروعة , إلا نتيجة متوقعة لعوامل الإختيار السلبية المذكورة والتي
ساعدت على
تهيئة
أرضية واسعة لممارسات فساد وتغطية على المفسدين في بعض الدوائر, ووقفت
عائقا
أمام
التأسيس لهيكلية مؤسساتية تتراكم فيها الخبرة على نسق ثابت وصحيح
ومتصاعد
.
أريد
أن أقول , للتغلب على السلبيات التي رافقت البناء المؤسسي واختيار بعض
القيادات غير الكفوءة في الفترات السابقة نحن بحاجة إلى وزير
تكنوقراط يكون مؤهلا
سياسيا لترميم أو إعادة بناء وزارته باختيار قيادات مؤهلة علميا
وإداريا تضيف
بفكرها وجهدها وإبداعها المزيد من الإنجاز , ترفع به كفاءة الوحدة
الإدارية بما
يتفق
مع حق المواطن في تلبية احتياجاته الخدمية والمعيشية. ولا أقصد
بالتأهيل
السياسي للوزير الانتماء لحزب من عدمه , وإنما هو الشخص الذي يمتلك
رؤية ولديه موقف
من
قضايا المجتمع , منحاز لمصالح الناس والمصلحة العليا للدولة , يدرك أن
القرار
السياسي الصحيح هو مايخلق الشعور بالرضا عند المواطن , في إطار
الاستخدام الأمثل
للامكانات للوصول إلى الأهداف وبأقل فترة ممكنة . فهو لايدير مصنعا أو
وكالة تجارية
وليس
أسيرا لخبرته الخاصة بمعزل عن الشعور بإحتياجات الناس , بل يتجاوز كل
ذلك ليرى
الأثر
المستقبلي لادائه، فلا يتخذ قرارا إلا بالنظر واستيعاب جميع أبعاده ,
فهو
مسؤول
عن تنفيذ سياسات الحكومة وأهدافها في دائرة اختصاص وزارته, والتي تصب
في
مجرى
واحد تتدفق فيه مصلحة الوطن والمواطن
.
وهو
قادر بعلمه وخبرته ومواءمته
السياسية أن يفكر بعمق قبل أن يصرح في قضايا حساسة قد تضر بالدولة
والحكومة أو تسبب
في
احباط الناس , ولايعطي وعدا كلاميا قبل أن يدرس موضوعه بعمق ويصل إلى
يقين
بقدرته على تحقيقه.
فالتصدي لمشاكل وهموم الناس لايأتي بالاستعاضة عن الإنجاز
واحداث التغيير في الواقع بالإكثار من إطلاق الوعود والإيحاء بتحقيق
منجزات لاتتعدى
الأوراق والمصروفات, لتزيد من حجم الفجوة بين كلام المسؤول وتحسن
أحوال الناس
وتنمية واقعهم.
والحس
السياسي للوزير التكنوقراط يساعده في تحقيق الانسجام مع
رئيس
الوزراء والتكامل في إنجاز الخطة الحكومية العامة , عبر تناغم الخطط
والبرامج
مع
مثيلاتها في الوزارات الأخرى تحت مظلة من عمل منظومي قائم على
الابتكار في
تذليل
المصاعب التي ترافق مسيرة الإنجاز . كما أن الحس السياسي يدفع الوزير
التكنوقراط أن يقبل المسؤولية السياسية المترتبة على عدم تحقيق النتائج
المتفق
عليها
, وهذا لايخلو من اعتزاز وتقدير من جانبه عندما يعترف أن لشعبه الحق في
الحصول على خدمات أفضل, وأن النجاح الوزاري ميدانه تحقيق طموحات
التنمية ورضا
الناس
لا النيات الحسنة أو مكافأة التحصيل العلمي أو تاريخ الوزير والمسؤول.
هنا
أريد أن أصل إلى القول أن الوزير التكنوسياسي لاينطلق من موقع الموظف
بدرجة وزير بل
من
امتلاك مقومات الإدارة الرشيدة القادرة على التفكير الستراتيجي
والإبداع والقدرة
على الابتكار, وترتيب ووضع الخطط العاجلة للتعامل مع المشاكل والخطط
الطويلة
للوقاية منها بالتغلب على أسبابها. وهو يدرك أن الإدارة الفعالة
للتنمية تحقق كفاءة
حركتها , وهي ترتبط بمجموعة من العناصر منها عدم التلكؤ في اتخاذ
القرارات الخاصة
بمصلحة المواطن وتقويم نتائجها والقدرة على التصحيح المستمر باستخدام
التغذية
العكسية كضرورة للإسراع بمعدلات النمو , منها أيضا تطوير الهياكل
المؤسسية وزيادة
قدرتها باختيار القيادات والمستشارين ومدراء المكاتب والكوادر وضمان
تواصلها مع
متغيرات العصر , ومنها كذلك كيفية إدارة عامل الوقت وتوزيعه بين إصدار
القرارات
والمتابعة الميدانية وقراءة التقارير والاستطلاعات وتحديد المرحلة التي
يتطلب فيها
استدعاء الإعلام والرأي الشعبي للوقوف على درجة الرضا عن سياسات
الوزارة وخدماتها
المتقدمة والتفاعل مع الأسئلة والمشاكل التي تطرح , كل ذلك للوصول إلى
تراكم إنجازي
وتراكم مؤسسي في كافة أعمال ومفاصل وهياكل الوزارة , لتتكامل مع جهد
الوزارات
الأخرى فتؤدي التغييرات المتعددة إلى التطور المنشود في النظام المؤسسي
للدولة.
|