|
حوار الاديان..أسسه
وأدواته |
|
|
نص الورقة المساهمة في الندوة الفكرية التي عقدها مركز الامام المهدي (عج) الثقافي في محافظة واسط بالعراق، لمناسبة مولد السيد المسيح (ع) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين ايها الحضور الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يسعدني ويشرفني ان اشارككم ندوتكم الفكرية هذه، وان من خلال هذه الورقة المتواضعة، لاساهم في البحث حول عنوانها، والذي يعد اليوم واحد من اهم العناوين الفكرية والحضارية التي تشغل بال البشرية وتاخذ من وقت وجهد المفكرين والباحثين والمعنيين من الحريصين على مستقبل البشرية وسمعة الاديان، بعد موجة العنف والكراهية التي اجتاحت العالم، بسبب السياسات الخاطئة التي تمارسها (الدول الكبرى) ضد شعوب الدول الضعيفة والنامية، من جانب، وبسبب التطرف الذي انتج الارهاب الاعمى، الذي طل براسه هذه المرة باسم (الاسلام) وللاسف الشديد، والاسلام الحنيف منه براء، براءة الذئب من دم يوسف. ايتها الاخوات المكرمات ايها الاخوة الكرام لقد حدد القران الكريم فلسفة التنوع والتعدد في الخلق، بالتعارف، اذ قال عز من قائل في الاية (13) من سورة الحجرات {يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، ان اكرمكم عند الله اتقاكم، ان الله عليم خبير}. والتعارف هذا لا يتحقق قبل الحوار، والحوار لا يتحقق قبل الاعتراف المتبادل بين المتحاورين، والمبني على اساس منظومة القيم الانسانية التي تقف على راسها احترام الراي والراي الاخر، والابتعاد عن الاحكام المسبقة، والاقلاع عن التكفير، والتسلح بقوة المنطق ونبذ منطق القوة، واستحضار المصالح الانسانية العليا وعدم التخندق خلف التعصب الاعمى، بالاضافة الى الانفتاح والتحلي بمكارم الاخلاق التي تدفع بالمتحاور الى الانصياع للحق والتنازل عن متبنياته كلما اقنعته حجج الاخر وادلته وبراهينه، والى هذا المعنى اشار القران الكريم بقوله على لسان رسول الاسلام محمد بن عبد الله (ص) وهو يدعو غير المسلمين الى الحوار {قل من يرزقكم من السماوات والارض قل الله وانا او اياكم لعلى هدى او في ضلال مبين} وهو القول المبني على طريق الانصاف، كما يقول المفسرون. ان للحوار شروطا ينبغي استحضارها لننتظر نتائج ايجابية وفاعلة، ولعل من ابرزها: اولا: ان يكون الحوار مفهوما استراتيجيا وليس تكتيكيا، لانه طريق طويل لا يمكن انتظار نتائجه من خلال جلسة حوار واحدة او اثنتين، ولذلك فان كان الحوار في ذهنية المتحاورين، مفهوما استراتيجيا وخيارا في كل الحالات، فسيصبرون عليه لحين الوصول الى نقطة البدء باقتطاف ثماره، اما اذا كان عندهم مفهوما تكتيكيا، يلجأ اليه الطرفان عند الشعور بالضعف او الانحسار او ما الى ذلك، فانه بالتاكيد سوف لن يكون مثمرا ابدا، لانه، والحال هذه، يتوقف عند منتصف الطريق لحظة ان يتغير ميزان القوى وينقلب من احدهما لصالح الاخر. ثانيا: ان لا ياتي الحوار كمبادرة من قبل الانظمة والحكومات مهما كانت هويتها، لان لها عادة اجندات سياسية معينة تسعى لتحقيقها من خلال توظيف الحوار، بل من خلال توظيف الدين، وهذا امر خطير على الدين وعلى الحوار على حد سواء. فلقد راينا، مثلا، كيف ان المملكة العربية السعودية حاولت خلال الاشهر القليلة الماضية، توظيف ما اسمته بمؤتمري حوار الاديان واللذان انعقدا في العاصمة الاسبانية (مدريد) ونيويورك بالولايات المتحدة الاميركية، على التوالي، من اجل تخفيف حدة التوتر التي شهدتها العلاقات السعودية مع المجتمع الدولي بعد ان ثبت تورطها بالارهاب العالمي، ان بفتاوى التكفير او بانتاج الارهابيين في مدارس فقهاء التكفير وتوزيعهم على العالم، فهي، بهذا المعنى، لم تكن تسعى او تهتم بابعاد شبهة العنف والارهاب عن الاسلام، وتصحيح المفهوم ازاء الدين وتنقيته من الشوائب، وانما لتلميع الصورة عن النظام الحاكم في الجزيرة العربية في ذهن المجتمع الدولي وشعوب العالم، واعادته الى موقعه السابق فقط. ان الحوار بين الاديان شئ مقدس ينبغي ان لا يلوث باجندات سياسية باي شكل من الاشكال، ليبقى الحوار محافظا على بريقه واهميته وحيويته، بما يخدم العالم والبشرية والمجتمع الدولي على حد سواء، فهو، بهذا المعنى، آخر خندق دفاعي تلجا اليه البشرية، قبل الانهيار الشامل، لا سامح الله. ومن هذا المنطلق، اعتقد ان من المهم بمكان ان تبادر مؤسسات المجتمع المدني عندنا، خاصة المرجعية الدينية والحوزات العلمية والجامعات الرزينة ومراكز ومعاهد الابحاث والتدريس، والكليات المتخصصة والاساتذة والمفكرين المتنورين الى الاهتمام والسعي لاطلاق مبادرات الحوار بين الاديان، لاخذ المبادرة من الانظمة والحكومات، وتاليا لانقاذ المشروع الحضاري قبل تسييسه وزجه في اتون الحروب السياسية، التي هي، في حقيقة امرها، جزء من المشكلة التي تسببت في الازمة القائمة بين الاديان، جراء توظيف كل واحدة منها (الدين) لتحشيد الراي العام خلف اجنداتها السياسية، وتاليا الحربية. لقد بادرت الكثير من المؤسسات المرموقة، هنا في الولايات المتحدة الاميركية، والعديد من الشخصيات الفكرية والثقافية المعروفة بالحيادية والاكاديمية والحرص على مستقبل البشرية و(الدين) كمظلة تحتمي بها البشرية، لاطلاق مثل هذه المبادرات في الحوار، فاسست المراكز البحثية والمقاعد الدراسية، كما نظمت الندوات والمؤتمرات وورش العمل بهذا الصدد، فلماذا لا تبادر مؤسساتنا وعلماءنا ومفكرينا وفقهاءنا الى مثل ذلك؟ لماذا تبقى المبادرة محصورة بيد غيرهم، وكانهم غير معنيين بمثل هذا الحوار؟ او انهم غير حريصين على سلامة البشرية؟ او انهم لا يبالون بسمعة الدين؟ في الوقت الذي نعرف فيه جيدا، باننا اقرب من غيرنا لتحمل مثل هذه المسؤولية من منطلق مفهوم الاية القرانية الكريمة {وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} وان الشهادة كما هو معروف وواضح لا تتحقق الا بالحضور والحوار واللقاء، والا فاية شهادة هذه التي نصبو اليها كمفهوم قراني وحضاري اذا جلسنا في بيوتنا وغلقنا الابواب على انفسنا ولم نحاور الاخر ولم نلتق به؟ ولم نسمع منه او يسمع منا؟. كذلك، فلقد تحدث الله تعالى عن القران الكريم فوصفه بالهدى ليس للمسلمين او المؤمنين فحسب، وانما للناس كافة، كما في قوله عز من قائل {شهر رمضان الذي انزل فيه القران هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} او كما في قوله تعالى {هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} وفي قوله عز وجل {هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا انما هو اله واحد وليذكر اولوا الالباب} ما يحملنا مسؤولية الحضور والحوار لتبيين آياته وهداه للناس، والا فسنكون المصداق لقوله عز وجل {واذ اخذ الله ميثاق الذين اوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون}. وفي الاية (224) من سورة البقرة، والتي يقول فيها رب العزة{ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم ان تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم}مفهوم حضاري عظيم يفرض علينا الحضور العالمي من اجل الاصلاح، اصلاح البشرية والناس، ولا يكون ذلك الا من خلال الحوار والحوار وحده، على اعتبار ان القران الكريم دعانا الى الجدال بالتي هي احسن، كما في قوله تعالى {ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن ان ربك هو اعلم بمن ضل عن سبيله وهو اعلم بالمهتدين}. ثالثا: وان من الشروط التي يمكن عدها بمثابة حجر الزاوية في الحوار بين الاديان، هو التحلي بالشجاعة وعدم الخوف، ليقبل المتحاورون بالحق كلما حصحص لهم في آية او دليل او برهان، فلا تاخذهم العزة بالاثم، فيتشبث كل منهم بموقعه لا يتزحزح عنه، ما يعني فقدان الحوار لجوهره ومحتواه وهدفه الاسمى، المتمثل بقبول التغيير ما استطعنا الى ذلك سبيلا، وان جاء احيانا على حساب بعض المتبنيات التي يتصورها هذا الطرف او ذاك انها من المسلمات التي ينبغي ان لا تتغير ابدا، او انها من المقدسات التي يجب ان لا يمسها عامل التغيير. لقد تحدث القران الكريم عن هذه الحقائق في عدة آيات كريمات، منها قوله عز وجل {يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ان الله لا يهدي القوم الكافرين} وقوله عز وجل {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون احدا الا الله وكفى بالله حسيبا}. طبعا من دون ان يعني ذلك سعي اي من الطرفين لالغاء الاخر، ابدا، فحوار الالغاء فاشل سلفا، كما نعرف. ايتها الاخوات المكرمات ايها الاخوة الكرام لنعمل جاهدين من اجل نشر ثقافة الحوار، حوار الدليل والمنطق والبرهان، حوار الحكمة وقول التي هي احسن واقوم، لنترك بصماتنا الايجابية الفاعلة في هذا العالم الذي يغلي اليوم كالمرجل، ولتكن ذكرى ولادة السيد المسيح (ع) الذي جاهد كبيقة انبياء الله ورسله من اجل اسعاد البشرية ونشر الامن والطمانينة والسلام في ربوع العالم، منطلقا مشتركا لكل المؤمنين بدين. وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته أخـــوكم نــــــــزار حيدر واشنطن في: ذو الحجة 1429 هـ.ق كانون الاول (ديسمبر) 2008 م اللاعنف..ثقافة وممارسة نـــــــــــــــــــــــــــزار حيدر NAZARHAIDAR@HOTMAIL.COM نص الورقة المشاركة في البحث الصحفي، بشان ثقافة اللاعنف في العراق، والمقدمة الى مؤسسة بيت الصحافة في العراق. السؤال الاول: كيف يمكن ان تساهم وسائل الاعلام بمختلف اشكالها، في تكوين وتعزيز ثقافة مناوئة للعنف في العراق؟. الجواب: لا يختلف اثنان على الدور الخطير الذي يلعبه الاعلام اليوم في عالم القرية الصغيرة، فهو الذي يهلك امما وشعوبا، وهو الذي ينتشل اخرى من الحضيض لينهض بها الى مصاف العالم المتحضر، فهو الرسالة الاخطر في العالم. والاعلام هو الذي يتحمل اليوم مسؤولية انهار الدماء التي اريقت في العراق، ولا تزال، بسبب العنف والارهاب، لانه هو الذي داب على تسويق الارهابيين كابطال وصناديد، فخدع بذلك المغرر بهم من الذين غسلت مجموعات العنف والارهاب، وبمساعدة الاعلام المضلل (بكسر اللام الاولى) ادمغتهم فتحولوا الى لقمة سائغة للارهابيين يجندونهم ساعة يشاؤون وكيف يشاؤون، بعد ان اكلوا طعم الاعلام الذي ظل يساند الارهابيين ليل نهار، عندما تحول الى بوق تضليلي سخره الارهابيون لاصطياد فرائسهم. ان اللاعنف ثقافة وممارسة، فاما الثقافة فهو ما يجب ان يضطلع به الاعلام، من خلال: اولا: الاهتمام بشكل مكثف بالحديث عن اهمية الحوار بالمنطق بدلا عن الحوار بالرصاصة، وتوظيف قوة المنطق بدلا عن منطق القوة. ان من المهم بمكان التركيز على ان الامم لا تبني حضارتها ومدنيتها ورقيها بالعنف ابدا، لانه يدمر ويحطم، وهو لا يحفظ بناءا ولا يصون حقا ولا يحمي علاقة. ان العنف كالقنبلة كلما تفجرت حطمت جزءا من الحياة، ولذلك فان المجتمع الذي تنتشر فيه مظاهر العنف لا يعرف معنا للاستقرار ولا يعرف قيمة للعلاقات الاجتماعية الايجابية المستقرة. لذلك، يجب ان يحذر الاعلام من ان يصنع من العنيف بطلا ومن الارهابي والقاتل صنديدا. كما ان على وسائل الاعلام ان تقلل من عرض مظاهر العنف الى الحد الادنى وللضرورة القصوى فقط، لان مشاهدة مظاهر العنف بالصورة او بالفيلم، خاصة من قبل الاطفال، هو مقدمة التطبع عليه ومحاولة محاكاته على ارض الواقع وفي الممارسة اليومية، وفي العلاقة مع الاخرين. ثانيا: الاهتمام بشكل كبير ومركز لاظهار وتوضيح جوهر الاسلام الذي يعتمد على اللاعنف في اداء رسالته السماوية، لاسقاط ورقة التوت عن قادة الارهاب وزعماء العنف، الذين يوظفون الدين لخدمة اهدافهم الدنيئة. على الاعلام ان يهتم باظهار وابراز موقف الدين وائمته وعلمائه وفقهائه، من العنف والارهاب، واثبات حقيقة ان كل من يسعى لتوظيف الدين لممارسة العنف والقتل والارهاب، انما هو ليس من الدين في شئ، لان الدين قيم سمحاء تنبذ التطرف وترفض الغلو وتاليا العنف والارهاب. ثالثا: فضح الارهابيين المتلبسين بالدين، من خلال تسليط الضوء على خطا متبنياتهم (الفكرية) وتعرية حججهم الضعيفة التي يسوقونها عند توظيفهم للدين، في مسعى منهم لاصطياد ضحاياهم من المغرر بهم والمغفلين، وهم بذلك يظلمون الدين والناس معا. رابعا: كذلك، فان على الاعلام ان يفضح الارتباطات المشبوهة لجماعات العنف والارهاب، والكشف عن مصادر التموين الفكري والمالي والاعلامي، ليحذرهم الناس، فلا ينخدعوا بهم فيقعوا فريسة سهله في شراكهم. خامسا: كما ان على الاعلام ان ينبه كل المعنيين الى مسؤولياتهم ازاء ظاهرة العنف الخطيرة، فعليه ان ينبه الاسرة والمدرسة والسلطات المعنية ومنظمات المجتمع المدني والفنانين والمنتجين، وغيرهم، ليكونوا دائما على اهبة الاستعدا لتحمل مسؤولياتهم اذا ما شكوا في ظاهرة قد تقود، ان عاجلا ام آجلا، الى ممارسة العنف والارهاب. يجب ان نعالج العنف في مراحله الاولى، قبل ان يستفحل فيتحول الى ظاهرة اجتماعية. وان اول مراحل العنف هو العنف الاسري، خاصة بين الوالدين، والذي يكبر في اجوائه السلبية السيئة الاولاد، فاذا بهم يتشبعون حقدا وكراهية بسبب مظاهر العنف بين الوالدين، ليعبروا عنه في الكبر باشكال عدوانية، وقد تكون ارهابية. كما ان للعنف المدرسي دور خطير في تنمية الظاهرة في نفوس ولاوعي الطلاب، الذين يكبرون ويتقدمون في الدراسة في ظل اجواء من العنف والاكراه كاسلوب تعليمي شائع، ما يراكم في نفوسهم احتقانا عنفيا يفجره الطالب في اول فرصة سانحة اذا لم يتدارك الابوين او العقلاء من الاصدقاء حالته هذه. يجب ان يبحث الاعلام في اسباب العنف لمعالجتها، من خلال عمليات المسح الميداني والاستبيانات العلمية، لتكون القراءة حقيقية وليست انشائية، ومن ثم البحث في الحلول من خلال الاستعانة بالخبراء والاخصائيين والتربويين والعلماء المتخصصين في هذا المجال، خاصة علماء النفس والاجتماع، لتتم المعالجات بطرق علمية مدروسة وواقعية. لا يجوز التساهل مع موضوعة العنف، كما لا يجوز الحديث عنها بشكل عابر او معالجتها بمواضيع انشائية، ابدا، اذ لابد من تشكيل الفرق الاعلامية والصحفية المختصة للتفرغ لمعالجة هذا الموضوع الخطير. اننا مقبلون على بناء عراق يفترض ان يكون جديدا وحديثا، طبقا لمواصفات انسانية وحضارية جديدة، وان من ابرز مصاديق حداثته هو القضاء على ظاهرة العنف في المجتمع، والتي كرستها ونمتها سياسات النظام الشمولي البائد الذي عسكر المجتمع وحول الشعب الى قطعات عسكرية، كل في موقعه. يجب ان تختفي، مثلا، لعب الاطفال التي على هيئة اسلحة، كما يجب ان تختفي من المجتمع ظاهرة العنف ضد المراة، الظاهرة التي يندى لها جبين الانسانية، عندما نسمع عن تناميها في بعض مناطق العراق، كما يجب ان تختفي مظاهر العنف في الاسرة والمدرسة والنوادي الرياضية، وفي السوق والشارع والمعمل وفي كل مكان. كذلك، يجب ان تختفي ظاهرة تطلع الشباب العراقي الى الانخراط في سلك القوات المسلحة بكل اشكالها وانماطها، فاي عراق جديد هذا الذي نصبو اليه اذا كان فيه اليوم اكثر من مليون جندي وشرطي ورجل امن؟ في المقابل فان عدد العلماء والباحثين والكتاب والمفكرين والفنانين لا يتجاوز، ربما، عشر هذا الرقم او اقل منه بكثير؟. اذا اشعنا ثقافة اللاعنف، فان الناس ستتجه الى العلم والمعرفة والحصول على الثقافة، لانها ستجد قيمتها ومكانتها في دور العلم وفي المكتبات وفي المؤسسات البحثية بدلا من المعسكرات ومراكز الشرطة، طبعا، من دون ان ينتقص ذلك من شان سلك الجيش والشرطة والامن، ابدا، بل ان هؤلاء، كذلك، سيجدون انفسهم في العلم والمعرفة والمطالعة والثقافة، وعندها سيكون عندنا في العراق الجديد، شرطيا متعلما، بل عالما، وعسكريا مثقفا يحب المطالعة فيقضي وقت فراغه بطلب العلم او بمطالعة كتاب او مجلة متخصصة او بكتاب ادبي، كما سيكون عندنا رجل امن متعلم، فنقضي بكل ذلك على ظواهر الجهل والتخلف والامية والتسكع والنفاق والتجسس على خصوصيات الناس والوشاية والتورط باعراض الناس وظواهر الفساد الخلقي التي كان يشيعها النظام البائد في صفوف القوات المسلحة والشرطة والاجهزة الامنية وكل المؤسسات التي يرتدي منتسبوها اللون الزيتوني، وعندها سوف لا ينخرط في هذا السلك من لا يجد طريقه في الحياة الا فيها، او لا ينخرط فيها الا كل ساقط في المجتمع. ان كل هذه الاجهزة، وامثالها، حيوية جدا في اي مجتمع، وهي عصب الامن والاستقرار، وان من المستحيل ان تكون كذلك، اذا لم تكن على مستوى عال من الادب والثقافة والمعرفة والحرص والاخلاق، لان حياة الناس واعراضهم واطفالهم بيدها، ومؤتمنة عليها. السؤال الثاني: كيف نتمكن نحن، كاعلاميين وسياسيين، من زرع ثقافة اللاعنف وترسيخها في اذهان ابناء المجتمع العراقي؟. الجواب: لقد قيل قديما، بان (فاقد الشئ لا يعطيه) فاذا كان الاعلامي والصحفي والكاتب وكذلك السياسي يفتقد الى ثقافة اللاعنف، فهو بالتاكيد لا يستطيع ان ينتج هذه الثقافة للمجتمع. وان ما يؤسف له حقا هو ان الكثير من السياسيين والاعلاميين يتعاملون بمنطق العنف مع الاخر الذي يخالفهم في الراي والموقف. قد لا يمارسون القتل بالسلاح ضد الاخر، الا انهم يمارسون العنف والارهاب بطرق شتى منها على سبيل المثال لا الحصر، عنف المنطق، والذي يتمثل بالسباب والشتيمة والتضليل والخداع وغير ذلك من اساليب الكلام غير المنطقي وغير المعقول، وكذلك العنف السياسي والذي يتمثل بالتسقيط او ما يسمى باغتيال الشخصية، من خلال التهريج ضد الاخر باقوال او مواقف لم يقلها او يعتقد بها في محاولة لتشويه صورته وآرائه ومواقفه. وقد يتطور هذا النوع من العنف ليصل الى حد القذف والبهتان، من خلال نشر الاشاعات المغرضة ضد الاخر، وكل ذلك لان هذا الاعلامي العنيف او ذاك السياسي العنيف لا يتحمل غيره في الساحة، اذ قد يعتقد بان الاخر اذا كان موجودا في الساحة فانه سينافسه في فرص النجاح، وتلك هي الطامة الكبرى، وكأن الدنيا ضاقت بحجمها كجحر ضب. لذلك اعتقد بان على الاعلاميين والسياسيين ان يقدموا للمجتمع نموذجا لثقافة اللاعنف من خلال الممارسة اليومية، وفي طريقة تعاملهم مع الاخر، على اعتبار انهم قادة المجتمع من نوع ثان، ولذلك لا يمكن ان نتصور مجتمعا يتسلح بثقافة اللاعنف اذا كان اعلاميوه وسياسيوه يمارسون العنف والارهاب، وهم الذين من المفترض ان يقودوا المجتمع الى شاطئ اللاعنف، من خلال اشاعة ثقافة اللاعنف ومحاربة ثقافة العنف بكل اشكالها. يجب ان نعمل جميعا من اجل سياسة خالية من العنف، واعلام خال من العنف، لتتحول ادوات السياسة والاعلام الى وسائل حقيقية لنشر ثقافة اللاعنف. ان العنف آفة مدمرة ستاكل الاخضر واليابس اذا ما استمرت في المجتمع، ولذلك يجب ان نحاربها بشتى الطرق العلمية. وان اول هذه الطرق، هو طريقة النموذج الذي يحتذى، فلقد قيل قديما (كيفما تكونوا يولى عليكم) و (الناس على دين ملوكهم) فاذا نجحنا في صناعة سياسيين واعلاميين لا يتوسلون بالعنف والارهاب في اداء مهامهم وواجباتهم ومسؤولياتهم، عندها سنطمئن الى اننا في الطريق الصحيح لصناعة مجتمع لا يحب العنف ويكره الارهاب، والعكس هو الصحيح، فاذا كان السياسيون ارهابيين والاعلاميون يعشقون العنف، فعندها يجب ان نتيقن باننا نسير في اتجاه صناعة مجتمع الموت والعياذ بالله. يجب ان تكون وسائل الصحفي هي الدواة والقلم والسؤال والبحث والتحري النزيه، اما ادوات السياسي فيجب ان تكون البرنامج السياسي والتحالف النزيه والروح الوطنية والاجندات العراقية الخالصة، والتنافس الحر الشريف مع اقرانه الاخرين من السياسيين. اما اهم ادوات السياسي، التي يجب ان لا يغفل عنه، فهو تشبثه بمبدا التداول السلمي للسلطة، وبهذه الادوات سيكون عندنا في العراق الجديد، اعلاميين وسياسيين نموذج للشعب العراقي الذي سيتعلم منهم كيف يتحاور وكيف يتفاهم وكيف يبني علاقاته. مع الشكر والتقدير سلفا تحياتي |
|
|
2008-12 -30 |
|