مجالس الصحوة ... القبول والرفض .


ابراهيم الحسيني/ مركز العمل للدراسات الإستراتيجية


ما أن شرعت مجالس الصحوة وبالأخص مجلس إنقاذ الأنبار بتشكيل نفسه ضدياً للقاعدة في مدينة الانبار التي كانت تخضع للتنويم العقائدي المستورد الذي فرضته القاعدة وأذنابها ، حيث بدأت تحصد جهودها عسكرياً وشعبياً مستفيدة من عجز القوات الأمريكية من تحرير المدينة أو حتى دخولها لتكون أول بادرة أمل في تحرير طوق المدنية وفك الشفرات القاعدية فيها .

ولما كانت القاعدة قد لعبت دورها الحقير في الانبار متمثلاً بنهب الأموال وخطف وقتل الشيوخ والرضع والنساء وتهجير المواطنين وما إلى ذلك من تأسيس مأساوي ، إلى أن سوغت هذه الأفعال ولادة ردود فعل مناسبة بقدر عمق هذه الأفعال على أن توازيها ضدياً وهذا ما كانت ارض الأنبار حبلى به .

فبعد عجز قوات التحالف والقوات الحكومية من بسط سيطرتها على الوضع شرعت المشاورات بين شيوخ عشائر الانبار بغية تشكيل مجالس الصحوة على أن تتضمن أبناء العشائر المتضررة في الانبار حتى لو تطلب الأمر مساندة القوات الأمريكية لتحرير المدينة من القاعدة التي قرأها الأنباريين بأنها الأسوأ على الإطلاق بحيث يمكن عقد صداقات حتى مع قوات التحالف المحتلة ضد القاعدة ، فكانت ولادة هذه الصحوة بزعامة عشائرية عريقة تمثلت بالشيخ عبد الستار أبو ريشة على أن تضمن قوات التحالف تجهيز هذه المجالس بالأسلحة والذخائر المتطورة التي يمكن لها أن توازي ترسانة القاعدة التي لا يختلف اثنان بأنها مدعومة دولياً .

ولم تكن فكرة مساندة مجالس الصحوة حدثاً طارئ ضمن متسلسلة الخطط الأمريكية في العراق لمصلحة العراقيين فقط ، بل أن الأمر تضمن ولو بالصدفة في أحسن الأحوال إنقاذ الآلة العسكرية الأمريكية من الخسائر التي قد تطالها من القاعدة هناك ، ففي مواجهة الأنباريين للقاعدة عصفورين بحجر واحد هو استخدام العراقيين كدرع بشري لهم قبالة القاعدة كما وأنه يعطي انطباعا دولياً يسوغ ضرورة بقاء قوات التحالف في العراق اعتمادا على خطورة الظرف فيه .

وأمراً كتسليح العشائر لا يخلو من المخاطر الجمة ، التي قد توأد أي مشروع حكومي أو حتى أممي على حد سواء لقلة الضمانات التي يمكن أن تقدمها العشائر قياساً بما يمكن أن تقدمها المؤسسات الحكومية ، إلا أن الحاصل هو ردة الفعل ـ على رغم النجاحات الميدانية للصحوة ـ ولادة خصومات تبقى تحت رماد الموقف الذي قد يفعلها ويعيدها للواجهة كالمواجهات الداخلية التي قد تحدث داخل الوسط السني .

ومن الأنصاف أن نعترف بأن نتائج هذه العملية ـ تأسيس الصحوة ـ تجربة على مرحليتها وانتفاؤها حالياً بأنها تجربة ناجحة مع العلم بأنها استغرقت عامين لتكسر نفوذ القاعدة وتبعثر خلاياها وتقتل وتعتقل عدد كبير من أمرائها ومن ثم حدوث تحسن أمني في المحافظة بل وباقي المدن الساخنة طائفيا وفي المناطق التي كانت تحت سيطرة القاعدة , غير أنه بالمقابل حصل عزل طائفي وأصبحت تلك المناطق المحررة من القاعدة تحت سيطرة ميلشيات سنية جديدة تقوم مقام سلطة الحكومية في كثير من الأمور وقد تتمرد على بعض قراراتها من قبيل رفع العلم على المباني بل والاعتراض على دخول الأجهزة الأمنية الحكومية كالجيش والشرطة إلى المدنية وهذا ما خلق بؤرة توتر جديدة قوامها الخصومة السنية ـ السنية .

وعلى ذلك يرى البعض أن استشهاد الشيخ احمد أبو ريشة الذي اغتالته القاعدة كرمز عراقي مقاوم صدمة للعرب السنة بل والقوات الأمريكية التي دفعت الثمن الكبير على أنجاح مشروع مجالس الصحوة والذي كان جلياً من خلال زيارة بوش للإنبار والتقاءه بأبو ريشة وزعماء المحافظة متناولون خطط مستقبلية في العراق ، وأمراً كهذا ما كان يحدث بين رئيس أمريكي ورئيس أي دولة أقل شأناً من أمريكاً فكيف به يحصل مع زعيم عشائري ، أنه أمراً مهم ومهم جداً على الأقل بقراءات أمريكية .

وتأكيداً للنجاحات الأمنية التي حققتها الصحوات في الأنبار كانت الحكومة العراقية سباقة في طرح إعجابها وإشادتها برجالات الصحوة مؤكدة تحول الأنبار إلى مدينة آمنة مستبعدة حدوث خروقات أمنية بين الشيعة والسنة مجدداً .

ومع ذلك فأن أمر تشكيل مجالس الصحوة يجب إن لا يؤخذ على عواهنه ، وهذا ما دفع الكثير من السياسيين وبعض الشيوخ العشائر في الجنوب والوسط إلى التوجس والنظر بحذر حيال تشكيل مجالس الصحوة مستفهمين عن مدى مشروعيتها وكيفية تأسيس جيش لا يخضع للسيطرة الحكومية ولا للإرادة الدستورية المتمثلة بمجلس النواب .

وعلى ذلك طالب البعض خضوع العمليات العسكرية للرأي الحكومي والتقدير المركزي بما يشكل شيء من المركزية معتبرين أن تأسيس مجالس الصحوات كانت برغبة دولية مجاورة وملاءات أجنبية والتحفظ الأخر الذي يورده الرافضين لفكرة المجالس هو الاختراق الحاصل ضمن هذه التنظيمات من قبل القاعدة والبعثيين بما يمكن أن يحول الصحوة الى مؤسسة انتقامية طابع شبه رسمي ، عند ذلك سيكون التصنيف في العراق حرباً أهلية بدعم رسمي ودولي ، وهذا أخطر ما يمكن أن تمر به الساحة العراقية .

وهنا جاد الحل السحري من الحكومة المنتخبة على أن يحتوى الصحويين في مؤسسات الدولة وحسب الكفاءة والنزاهة والمواطنة بدءاً في المؤسسة الأمنية ( الجيش والشرطة ) وصولاً للمؤسسات المدنية ( الخدمية ) إلى احتواء البعض الأخر الأقل كفاءة عبر دفعه للتقاعد ودعمه مادية مع احتواء العناصر الشاذة وتطويقها ومحاكمتها ، وهنا يكون ملف الصحوة ملف وطنياً صرف سيما اذا ما دفع الصحويين في مؤسسات الدولة بغض النظر عن السكن بغية إخراج العراق من التكتلات والتعنصرات وبث روح المواطنة فيه دائماً وابداً .
 
 

 

2008-10-6