إشكالية العلاقة بين المثقف والسياسي
أبو آلاء

          عرفوا الثقافة على إنها (أروع ما أنتجته البشرية ) وبعضهم يرى ذلك إلى أن الثقافة تشير إلى طرائق الحياة التي تحياها المجتمعات أو الجماعات المختلفة وما تقيمه من علاقات متباينة مع تاريخها وتراثها وحاضرها ومستقبلها 0وقبل الخوض في موضوع العلاقة بين المثقف والسياسي خصوصا والعراق يمر بأحلك الظروف والتي تستدعي توطيد العلاقة بين كافة شرائحه أود أن اذكر بان الهدف المتوخى من البحث هو التذكير لا إثارة الخلاف كما يتوهم البعض خصوصا أن هناك من سياسيينا مد جسور العلاقة مع الحراك الثقافي إيمانا منهم ووعيا بان للمؤسسة الثقافية دورا هاما ومؤثرًا في عملية البناء السياسي واتخاذ القرار الصائب وأيضا في عملية التنوير التي لابد للسياسي العمل بمعاييرها والتي من شانها المشاركة الفاعلة في ترتيب البيت العراقي التي طالته أيادي العبث والتخريب0وهذا النوع من العلاقة وان ندر يعد من أرقى العلائق الايجابية بين أهم شريحتين 0وكم تمنينا في خضم هذه الأزمة أن تنهض الثقافة بأعباء السياسة وان يلعب السياسي دوره الفاعل في اتخاذ قراراته ضمن معايير وشروط الثقافة،إذ لايمكن أن تنأى السياسة بعيدا عن الثقافة في مثل هذه الظروف بل حتى في الظروف الاعتيادية التي تعيشها البلدان التي تتمتع بالاستقرار0 إن أساليب الحرب والتهديد والتهميش والإقصاء التي تطال المثقف والتي يبتعد فيها السياسي عن منطق العقل ويعمل وفق دوافع ونزعات غرائزية من شأنها إقناع المثقف بان الأزمة القائمة بينهما (المثقف والسياسي ) قد تودي بالنهاية إلى إجهاض العملية السياسية مستقبلا0وعلى مدى السنوات الخمس الماضية كانت هناك محاولات للحد من إقحام المثقف في الحقل السياسي وقد يؤدي ذلك إلى جعل السياسي اداة طيّعة بيد المنتفعين والانتهازيين 0المثقف هو سياسي لأنه يمتلك وعيا متقدما ،لكنه عندما لا يمارس السياسة أو يقتحمها بسبب حالات العزل والتهميش والإقصاء التي تواجهه فان هذا الإلغاء لايعني أن يكون مبررا بان يكفر المثقف بالسياسة ويشتغل بأدواته المعرفية بعيدا عنها وبالتالي يشجع جو الأزمة المتفاقمة على انحطاط السياسة التي سقطت بأيدي فئات خاصة لاستخدامها في مصالح جزئية هي بالتأكيد ضد مصالح العامة بل يجب أن يتقبلها المثقف برغبة شديدة كي يثق وبشكل مطلق أن الثقافة والضمير مرتبطان مع بعض كارتباط الذات بالتراب أو الهوية بالوطن إذ أن ترك الثقافة وهي تسحق، ستضع المثقف وجها لوجه أمام ظاهرة خطيرة ومرعبة ما دامت السياسة قادرة على تدمير الثقافة مرة بالقوة ومرة بالحيلة 0السياسة تنطلق من آفاق الفكر ، والفكر من نتاج العقل ، وعندما تتحول السياسة إلى فن المناورة والتلاعب عن طريق إنتاجها خارج حقل الفكر ، أي عندما تنعكس عن ردود أفعال ، ومواقف ، وتوجهات لا تتصل بالوعي والضمير ، فان هذه السياسة ليست بالأساس ، ولا بالضرورة ثمرة لتفكير عقلي ، ولا هي أيضا ناتجة عن تأمل أخلاقي ، مثلما هي كذلك ليست انعكاسا لتأمل أيديولوجي ، ولشدة طغيان هذا النوع من السياسة ، التي عملت على تدمير الروابط الوطنية ، وإمكانية الحوار والتسامح ، فقد تراجعت القيم والمبادئ الوطنية ، نتيجة استخدامها لغايات الصراع الفئوي ، وأدى هذا كله الى زوال العام ، وصعود الخاص ، وتحولت الأفكار والمبادئ التي يعلن السياسيون الانتماء إليها ، الى وسيلة لإضفاء نوع من العقلانية والشرعية على السياسة غير العقلانية وغير الشرعية ، ولهذا سادت ردود الأفعال اللاواعية في السياسة ، وفقدت الأخيرة أي معنى لها بسبب استمرار إنتاجها خارج إطار العقل ، وبعيدا عن نظم التفكير ، على ان هذا النمط من السياسة ، ظل يتمسح بها عندما تدعو الحاجة الى التشبث بالثقافة ، وفي نهاية المطاف استطاعت هذه السياسة تسويق ثقافتها الرثة ، التي هي حشد كبير من التبريرات ، التي تعمل على حجب الحقائق وتضييع جوهرها .ان العقل الإنساني يطل من الثقافة ، فيما تعمل السياسة المتحللة من الثقافة على مصادرة العقل وتحطيمه ، ولما كانت عملية التغيير هي افتراض رفض الواقع ، فإن هذا لا يتحقق إلا باستفزاز العقل والاعتماد عليه ، وطالما ان عملية التغيير تتطلب أساسا إبداع حلول جديدة تعيد تركيب الواقع ، فإن الإبداع من اختصاص الثقافة ، ولهذا تجهد الثقافة في إطار وظيفتها الريادية ، على ان يكون لوعي الإنسان وإرادته ، سواء كان فردا أم جماعة ، دور في هذا التغيير 0إن السياسة التي تتماهى مع الشعارات ، فيما هي تتحايل على القضايا العادلة ، كالحرية ، والديمقراطية ، واحترام الرأي الآخر ، ومشروعية التعددية ، لهي سياسة تحتمي بذات المفهوم الذي تقف ضده ، وتعمل على تدميره لصالح منهجها الأحادي ، فيما شكلت هذه العملية إزاحة مستمرة للثقافة من ميدان السياسة ، ولهذا لا نستغرب إذا استمرت هذه السياسة في الانشغال بقضايا هامشية ، رغم شدة استهلاكها للشعارات الوطنية ، فسياسة لا تخدم الذات الوطنية ، والأهداف العليا ، لا يمكن أن تتآلف مع ثقافتنا ، أو تنبع منها ، لأن ممكن هذه الذات وسلاحها هو الثقافة ، وطالما إن بناء الذات هو بناء الثقافة ، أي الوعي والعقل ، فمن المستحيل ان تكون هذه السياسة مع الوعي والعقل ، ولهذا نلمس من نتائجها هذا التمزق والتناحر ، لأن الاختلاف السياسي الحاصل ليس له صلة إطلاقا بقضايا الوعي الوطني .إذن ليس التشبث بالشعاراتية المفرطة هو محاولة للخروج من السياسة التي تنفي الثقافة ، إذن عندما تكون سياسة الاستبداد نقيضا كليا للثقافة ، فإن المعارضة السياسية لهذه السلطة ستكون اشد التصاقا بالثقافة ، إن لم تتبلور من داخلها ، أي تنبثق من الوعي الذي يسعى الى تغيير الواقع ، وتركيبه بصيغة جديدة متآلفة ومنسجمة مع الانفتاح ، والتعددية ، وحرية الرأي ، والحوار .ولأجل ذلك يفترض بالخطاب السياسي ان يتضمن قدرا كبيرا من هذا الانفتاح ، والحوار ، وقبول الرأي الآخر ، أي أن يكون الخطاب والممارسة نابعين من صميم الثقافة وعندما يتراجع الحوار ويحاصر الرأي الآخر في الوطن أو في المنفى ، فهذا يدعونا إلى المطالبة الشديدة بان تكون الثقافة فوق السياسة ، وليس العكس ، لأن استمرار هيمنة السياسة سيؤدي تدريجيا إلى إزاحة الثقافة. وهي دعوة أيضا إلى المثقف والسياسي في أن واحد إلى تغليب لغة الحوار للوصول إلى الغاية السامية التي نعمل جميعا من اجلها وهي بناء دولة المؤسسات والقانون وإعادة ترتيب ماتهدّم من البيت العراقي.

 مركز الدراسات والتطوير

http//alrafah.org
 

2008-7-1