من تاريخ الفيليين: شارع الكفاح
عبد الستار نورعلي
 

 (قصة واقعية)
عيناها تتنقلان في أنحاء الزقاق الضيق زائغتين يرتسم فيهما الخوف والقلق والاضطراب . تبحث في وجوه الناس المسرعين خروجاً ودخولاً الى الزقاق والى بيوته القديمة. توسل صامت ينطق في وجهها المصفر المشدوه الموحي بالرعب . إنها تبحث عن شيء ينجيها مما هي فيه، لكن لا أحدَ يلتفت إليها أو حتى يحس بوجودها. الجميع في اضطراب وهرج ومرج.
من يخلصها مما هي فيه ؟ ومن يعرفها في هذا الخضم المائج والهيجان الصاخب ؟ من يلتفت إليها ؟!
تزداد دقات قلبها دقاً عنيفاً يكاد ينشق عن صدرها. كيف ستتصرف؟ وهل ستجتاز هذا الموقف القلق الصعب؟ وكيف وهي غريبة عن المكان وأهله، وعن الزمان وأحداثه؟

الشوارع تختنق بحشود بشرية هادرة ثائرة غاضبة تتدافع أمواجاً أمواجاً تترى دون توقف . اصداء هتافاتها تمزق الفضاء فتعلو هديراً. يتراءى لها أن لانهاية قريبة، ولا هدوء قادم .
يتعمق قلقها وخوفها مع مرور الدقائق والساعات ثقيلة بطيئة ليتمكن اليأس والحيرة منها. تزحف ببطء إزاء الحائط الذي أسندت ظهرها إليه تلتصق به متجهة شيئاً فشيئاً نحو باب الدار الكبيرة بيت الملا نزر الذي سمي الزقاق الضيق باسمه (دربونة الملا نزر).
تسمرت قرب الباب تحدق في الناس المهرولين هنا وهناك، بعضهم صوب الشارع العام، وآخرون ينسلون داخل البيوت مغلقين الأبواب خلفهم، وثالث يحتمي بعمق الزقاق المغلق الذي لا يفضي إلى طريق آخر . وفوهة الزقاق الرئيسية تتصل بالشارع العام الذي يموج بالمظاهرات
أطفال يركضون باتجاه الشارع ورؤوس الأمهات تطلُّ من خلف الأبواب صارخة متوعدة ، لكن لا أحد منهم يعبأ أويلتفت، يختفون بلمح البصر.
أزيز الرصاص المنهمر يخترق حجاب السماء ملعلعاً مختلطاً بأصوات الجموع المتدفقة المنطلقة صوب مركز شرطة باب الشيخ مرددة رغم الطلقات :
ـ ويلي على الوزاره شلون غدَّاره، هم بالرصاص واحنه بالحجاره !

وكلما سمعت هذه الأصوات الهائجة المتداخلة وصداها الذي يخترق الفضاء يزداد خوفها وهلعها فتلتصق بالجدار أكثر فأكثر، وكأنها تود أن تنحشر فيه. تستمر في التحديق بالوجوه والعيون التي تمرق من أمام عينيها الذاهلتين ووجهها الشاحب وهي صامتة مذعورة. اهتزت فجأة على أصوات تصرخ مبشرة بفرح :
ـ المركز احترق ... المركز احترق ..!

انطلق عدد من الأطفال من باب البيت الكبير في غفلة من أمهاتهم مسرعين نحو الشارع . كانت الحجارة تنهال على أفراد الشرطة. وسيارة إطفاء الحريق الحمراء مسمرة في منتصف الشارع وقد اعتلاها وأحاط بها المتظاهرون مرددين الهتافات. اندفع الأطفال دون خوف ناحية مركز الشرطة ليشاهدوه والنيران تنشب فيه . وفي اليوم التالي رأوه أطلالاً محروقة .

يتسرب الخوف دبيباً في صدرها عميقاً فتلتفُّ بعباءتها تلوم نفسها مؤنبة نادمة على قدومها في هذا اليوم .
جاءت من مدينتها بعقوبة القريبة لتتابع موضوع انتقالها إلى إحدى إعداديات البنات في بغداد . كانت متوجهة إلى بيت عمها الواقع خلف السدة في الرصافة، وهي السدة التي بناها الوالي العثماني في القرن التاسع عشر لدرء الفيضانات عن العاصمة. يقع البيت في الحي السكني الطيني الذي كان العامة يسمونها (الصرايف)، ويقيم فيها الفلاحون الفقراء الذين نزحوا من الريف بحثاً عن عمل ولفقرهم بنوا لأنفسهم وبأيديهم دوراً من الطين في المنطقة القفراء خلف السدة يواجهون خطر الفيضان وأنواء المطر وضربات المرض.
نزلت في محطة القطار الواقعة في شارع الشيخ عمر قرب مقبرة الغزالي و المتصل بشارع الملك غازي بشارع فرعي صغير بمحاذاة مقام الشيخ عبد القادر الجيلاني. فوجئت بالناس يتدافعون أفواجاً وحناجرهم تصرخ بالهتافات المدوية. ومع هذه الأمواج الزاحفة أصيبت بالارتباك والاضطراب والهلع وهي تجد نفسها في وسطها مدفوعة بقوة لم تستطع مقاومتها عبر الشارع الفرعي نحو شارع غازي الذي سمي بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958 بشارع الكفاح. اندفعت محتمية بالزقاق هرباً من رصاص الشرطة وحجارة المتظاهرين إذ أضاعت طريقها ولم تعرف أين تتجه.
احتمت بالحائط جامدة مذهولة. أين ستتوجه في هذا الجو المشحون والغليان الذي لا يهدأ ؟ إنها لا تعرف أحداً غير بيت عمها. كيف ستتصرف ؟ لقد رجتها أمها أن تنتظر لتصاحبها بعد أيام لكنها رفضت فهي تعرف طريقها وليست صغيرة لتضيع !

تلتف بعباءتها أكثر فأكثر، وكأنها تستنجد بها لتحس بالأمن والاطمئنان. أخفت جزءاً من وجهها. إذن هذه هي بغداد العاصمة الكبيرة الواسعة، بغداد ألف ليلة وليلة.... الحلم الذي كان يراودها ليل نهار ... الق فطري في خاطرها، عشق قرأت عنه في روايات ألف ليلة وليلة وفي كتب التاريخ ... سمعت الكثير الكثير ممن كانوا يزورونها ويعودون بالروايات الجميلة المبهرة المثيرة، شوارعها، أبنيتها، أسواقها، محلاتها، بيوتها، دجلة، جسورها، الكاظمية المقدسة بمنائرها الذهبية المتلئلئة بالنور في سحر الليالي والناس يتزاحمون في الحضرة وسط الأنوار الفضية والثريات الكبيرة المتدلية من سقوفها المزخرفة بالمرايا، وأصوات المصلين والداعين تتردد في جنباتها، ساحتها الفسيحة تغص بالزوار من كل حدب وصوب يفترشون أرضها المرمرية جماعات جماعات، يتسامرون ويتناولون كباب الكاظمية الشهير بشهية .
ها هي في بغداد الحلم تتيه في شوارعها وأزقتها الثعبانية العتيقة محشورة في زاوية مجهولة من زواياها ! لا تدري أين هي وما مصيرها وكيف تتصرف ؟! فأخذت الدموع تنساب على خديها الحنطاويين اللذين لفحتهما شمس بعقوبة .

تخترق الهتافات أرجاء الزقاق لتدق في أذنها. الهدير لا يتوقف. ناس يندفعون إلى داخل الزقاق وناس إلى خارجه. أطفال يركضون وأمهات يصرخن. تمر الدقائق والساعات ثقيلة بطيئة، والقلق يأكل في نفسها وأعصابها. ومن بعيد يتواصل الهدير :
ـ ويلي على الوزاره شلون غداره ، هم بالرصاص واحنه بالحجاره !

بدأت الأصوات تخفت تدريجياً. شرعت الشمس تميل نحو الأفق، وأخذ الهدوء ينساب في الأجواء. بدأ الناس يدخلون بيوتهم، والذين كانوا محتمين بالزقاق ينسحبون ليفرغ منهم. وعم الهدوء وهي لا تزال مسمرة إلى الحائط بإزاء الباب تنظر بقلق في الوجوه هنا وهناك مرعوبة زائغة البصر دون تركيز .
فجأة وسط الهدوء وتباشير الغروب أطلَّ وجه امرأة من فوهة باب البيت فالتقت عيناهما . قرأت المرأة في نظرتها خوفاً و توسلاً وذهولاً فقالت بنبرة دافئة:
ـ ها أختي أشو بعدك واقفة ؟!
أحست بيد رحيمة تمتد اليها. رحمة هبطت من السماء لتنتشلها . أجابت:
ـ لقد تهت ولا أعرف أين أنا ، ولا أين أروح !
فردت المرأة باستغراب :
ـ ليش أنت لست من هنا ؟!
أجابتها والدموع في عينيها:
ـ لا والله .... أنا من بعقوبة . جئت إلى بيت عمي وراء السدة فضعتُ وسط المظاهرات .
قالت المرأة دون تردد وبحماس والحاح :
ـ أين تذهبين الآن وفي هذا الوقت؟! تفضلي عندنا ، يحلها ربك ...
ترددت عن الاستجابة في خجل . لكن المرأة ألحت :
ـ أدخلي ! لا تخافي . نحن مثل أهلك .
دلفت الى المجاز الطويل الممتد من الباب الرئيس حتى داخل الدار على استحياء وخجل وتردد. البيت كبير وواسع، فناء واسع مربع في وسطه حديقة صغيرة مسورة بسياج خشبي أخضر. وعلى طول أضلاع الفناء أواوين وغرف. كان البيت مليئاً بالناس ، أطفال ونساء ورجال ، هم سكنة الدار.
انتبه الجميع فالتفتوا نحوها، اسرعت المرأة التي أدخلتها إلى تقديمها اليهم. سمعت كلمات الترحيب التلقائية الحارة من الجميع . أحست بالأمان والراحة وهي تلتف بعباءتها خجلاً.
تحلقت الفتيات حولها وأدخلنها إحدى الغرف لتستريح من عناء ما لاقته. أسرع بعضهن لأعداد طعام لها . تلاشى الخوف والقلق من نفسها وتنهدت الصعداء.
قضت تلك الليلة بين أهل الدار في سمر وأحاديث وروايات عما شاهدوه وما حدث ذلك اليوم . لم تحس بالغربة بينهم فكأنها وسط عائلتها. وفي صباح اليوم التالي صحبتها امرأتان من أهل البيت حيث أوصلنها إلى بيت عمها.


* القصة واقعية حدثت أثناء انتفاضة تشرين الثاني عام 1952 وأنا صغير وشاهد عليها حيث أن البيت الذي نزلت فيه بطلة القصة بيتنا.

2008/3/8