آراء: الموقع الرسمي والمصالح الخاصة

المهندس صارم رسول الفيلي
لاشك أن هدف مكافحة الفساد يحتاج إلى حزمة من الإجراءات المتوازية في انطلاقتها والمتكاملة في تفاعلها وصولا لتحصين المجتمع والمال العام من هذه الآفة , ووجود تشريعات وقوانين تحد من استغلال المنصب العام للتربح الشخصي أو الجهوي والإنحراف به بعيدا عن أهداف الوظيفة وأخلاقياتها ,

تغلق كل المعابر والثغرات في وجه المتلاعبين بمقدرات الدولة , يندرج في إطار السياسات الواجبة إتخاذها للوصول إلى الكفاءة في إستغلال المال العام والنضج المؤسسي والإداري والإنجاز . وهذا الإطار التشريعي سيرفع ثقة الناس في مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والعاملين فيها , ويزيد من سرعة تشكل الوعي الشعبي الإيجابي تجاه ثروات البلد وضرورة مشاركة الجميع في رصد مظاهر الهدر في المال العام المعرقلة لكافة جهود التنمية . فالتبني الشعبي لهذا الهدف ضامن مهم لنجاح الجهد الرسمي في تنفيذ سياسات مكافحة الفساد ومتابعتها , بجانب كونه تجسيدا عمليا لشعور المواطن بالإنتماء وبأن له حقا في المال العام بموجب الدستور. وتوظيف الموقع الرسمي للمنافع الخاصة له عدة تجليات من ابرزها مايطلق عليه الزواج غير الشرعي مابين السلطة والمال , وهذا يحدث في جميع النظم , شمولية وسلطوية وديمقراطية , وإذا أخذنا بتصنيف ثان فإنها حدثت في النظم الإشتراكية , والرأسمالية أصولية كانت أو آخذة بنظام إقتصاد السوق الإجتماعي , ذلك مع مراعاة التفاوت في أساليبها واحجامها وجدية وكفاءة طرق التصدي للفساد الناشئ من هذا الزواج الحرام.
حدثت هذه الظاهرة بشكل واسع في ظل الأنظمة الإشتراكية وسيطرة الحزب الواحد على السلطة والثروة , من خلال إدارات بيروقراطية غير خاضعة للمساءلة الجدية فكانت من نتائجها السلبية تراكما للثروة في حسابات المدراء الكبار , لتخرج من رحم هذا الفساد طبقة رأسمالية شاركت في قيادة التحولات المتسرعة إلى نظام السوق بعد إنهيار المعسكر الإشتراكي , فبدأت صفحة أخرى من هذا الفساد تمثلت بمشاركة السياسيين لطبقة رجال الأعمال بشكل خفي وتسهيل إستيلائهم على أصول الدولة بأبخس الأثمان , بعد إضعافها وإظهار عدم جدواها من النواحي الإقتصادية والفنية . وتخصيص الأراضي الواسعة لجهات وشركات ترتبط بهم بدون تحديد لنوع النشاط المنشود والسقوف الزمنية للبدء بإستثمارها , وربط عقود الإستيراد بأشخاص مقربين من المسؤولين دون النظر إلى عوامل الجودة والنوعية والكلف وهذه الممارسات تحدث أيضا بشكل واسع في ألكثير من البلدان النامية. أما في الدول الديمقراطية وتحديدا المتقدمة منها فالأصل أن المحافظين والنواب والوزراء منضبطون في إطار من النظم والقوانين والأعراف المجتمعية , وبوجود مستوى عالي من الوعي الشعبي وصحافة حرة تتابع وتسلط الأضواء على كل زوايا الشبهات وتلاحق مظاهر الإسراف والبذخ عند السياسي والمسؤول , إلا انه يحدث أحيانا رغم كل ذلك إنحراف في إستغلال المنصب السياسي لتحقيق مصالح إقتصادية , لكن سرعان ما يتم تشخيصه ومعالجته ومحاصرة تداعياته في ظل وجود تشريعات ترسخ هيبة الدولة وتضع بدقة حدودا لصلاحية المسؤولين , فالخط الأحمر هو التلاعب بالقانون والمال العام , ولا مساحة لمحاولات تحويل وقائع التجاوزات على القانون إلى أبعاد سياسية تطل من ثناياها نية الأفلات من العدالة بإحداث أجواء من الإثارات تضرب بعرض الحائط الأطر المؤسساتية أن الإطلاع على الدروس والتجارب والخبرات الدولية والإستفادة منها يندرج في إطار السعي لحقن التشريعات والقوانين المقبلة بها, لتجنب العقبات المحتملة أمام العملية التنموية على جميع المسارات.
لذا تأتي ضرورة أن تهدف التشريعات الخاصة بهذا الموضوع عدة أبعاد , منها الأخذ بآلية الذمة المالية للمسؤول وأفراد أسرته من لحظة تولي المنصب للكشف عن الثروات التي لاتتناسب مع دخله المشروع أثناء أداء الوظيفة العامة , وتسهيل إجراءات الوصول إلى المعلومات الخاصة بحساباته المالية والعقارية داخل وخارج العراق , في ظل واقع تضخم الثروات لدى بعض من لم يملك شيئا في السابق ,ومكافأة وحماية الموظفين والمواطنين الذين يقدمون أدلة حقيقية بعيدا عن التشكيك والتجريح , ومنها أن تتضمن التشريعات إلزاما للجهات المختصة على متابعة الأموال التي تنقلت عبر الحدود , ووضع الجهات الخارجية أمام مسؤولياتها في إحترام معاهدة الأمم المتحدة لمكافحة الفساد , منها أيضا تنظيم عملية حصول المسؤولين والنواب على هدايا من جهات خارجية , حيث يلزم المسؤول في الدول المتقدمة على الإفصاح عنها شرط أن لاتتجاوز بضعة مئات من الدولارات كحالة قصوى , للبلدان الأكثر تساهلا في هذا الموضوع , والإ فهو معرض للمساءلة والمحاسبة حال عدم التقيد بذلك . ومنها كذلك منع المسؤولين الذين يمتلكون وأسرهم علاقات ومصالح وشركات من التأثير على القرار ألإقتصادي لمؤسسات الدولة , ومراقبة عقود تلك الشركات مع الدولة في إطار من الشفافية الكاملة وتنظيم إدارة ثرواتهم أثناء تولي المنصب العام .. ولعل شعور الناس بالإحباط سيكون نتيجة لأي تباطؤ في إقرار القوانين التي تجرم أشكال المحسوبية والمنسوبية وإستغلال الوظيفة لمنفعة الذات والجهة , وتسد الثغرات والإستثناءات التي يتسلل من خلالها عفاريت الفساد . وفي الوقت الذي يرى فيه البعض وجود صعوبات في دحر الفساد تتمثل بجدار المحاصصة وما وفرتها في بعض الأحيان من حصانة وحماية لحالات الإنحراف والفساد .. لكن في المقابل تنعقد آمال الآخرين بعد الله على المخلصين في أجهزة الدولة بجميع أنواعها ومستوياتها وفي مقدمتهم السيد رئيس الوزراء , خاصة وأن الفرصة مناسبة للتحرك التغييري في مواجهة التحديات والمشاكل , إستنادا إلى معطيات الإنتخابات المحلية التي كانت أشبه بالتفويض الشعبي لإعمال القانون والتأكيد على صيانة مؤسسات الدولة وتنميتها وفق أسس صحيحة هذا من جهة , ومن جهة ثانية لصعوبة المرحلة إقتصاديا , وضرورة إستيعاب الجميع لما تتطلبها من الإلتزام بأرضية مشتركة تتحرك عليها الإجراءات اللازمة , لتحقيق التوازن المطلوب في معادلة الموارد والثروات والإمكانيات والطموحات للسير بإتجاه الأهداف المنشودة .
 

2009-5-20