مصالحة الجناة ليست من أولويات العدالة الانتقالية

جميل عودة/مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث
 




كيف يمكن لبعض المسئولين في الحكومة العراقية ان يتحدث عن مصالحة مع حزب البعث؛ رغم اعتبار حزب البعث حزبا منحلا محظورا من الناحية الدستورية والقانونية، لكونه حزبا قمعيا ومستبدا، ارتكب جرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب وجرائم إبادة جماعية، وهجر الملايين من العراقيين قسرا، ولم يرع أثناء 35 سنة من حكمه، أي قضية من قضايا حقوق الإنسان قط.

لذا لا يؤيد العديد من المعنيين بمجال العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان في العراق، فضلا عن غالبية المواطنين العراقيين، فكرة التصالح مع رموز النظام السابق أيا كانوا؛ قبل أن تستكمل العدالة الانتقالية المطلوبة بالنسبة للدولة التي خرجت لتوها من قبضة حكم مستبد وقمعي إلى حكم تتوفر فيه مقومات الحرية وبعض العدالة كافة عناصرها وشروطها.

وبحسب مختصين في القانون الإنساني الدولي "تركز العدالة الانتقالية، على الأقل، على خمسة مناهج أولية، لمواجهة انتهاكات حقوق الإنسان الماضية:

(1) المحاكمات (سواء المدنية أو الجنائية، الوطنية أو الدولية، المحلية أو الخارجية).

(2) البحث عن الحقيقة وتقصي الحقائق (سواء من خلال تحقيقات رسمية وطنية مثل لجان الحقيقة أو لجان التحقيق الدولية أو آليات الأمم المتحدة أو جهود المنظمات غير الحكومية).

(3) التعويض (سواء من خلال التعويض الرمزي أو العيني أو إعادة التأهيل).

(4) الإصلاح المؤسسي (بما في ذلك الإصلاحات القانونية والمؤسسية وإزاحة مرتكبي الأفعال من المناصب العامة وإقامة تدريب حول حقوق الإنسان للموظفين العموميين).

(5) إقامة النصب التذكارية وإحياء".

دول كثيرة مثل العراق، شهدت فترة انتقالية صعبة من حكم مستبد إلى حكم يتجه نحو العدالة الاجتماعية، مثل ألمانيا "إبان الحرب العالمية الثانية" واليونان "أواسط السبعينيات" والأرجنتين "1983" وتشيلي "1990" وجنوب إفريقيا " 1995" كذلك المحكمتان الجنائيتان الدوليتان ليوغوسلافيا ورواندا، وأوروبا الشرقية وغيرها، وكل هذه الدول بذلت جهودا غير طبيعية لترسيخ معنى العدالة لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، كالتعامل الجدي والعملي مع انتهاكات الماضي من خلال فتح ملفات وكالات الأمن الداخلي السابقة (على سبيل المثال في ألمانيا) وفي منع منتهكي حقوق الإنسان السابقين من الوصول إلى مناصب في السلطة من خلال عملية التطهير (كما في تشيكوسلوفاكيا في 1991)، وتأليف لجان التحقق وتقصي الحقائق، وتوفير أشكال مختلفة من التعويضات لصالح الضحايا، والبحث عن كل ما يمكن أن يحقق الكرامة لضحايا الاستبداد وأهليهم.

إلا أنه مازال أمام العراقيين لتحقيق العدالة الانتقالية طريق طويل، والجهود التي تبذلها الحكومة العراقية وبعض المؤسسات الدولية في هذا الشأن لا ترتقي إلى مستوى الذي يُطمئن إليه، بل، ترتكب جهات حكومية عراقية خطأ فادحا من خلال دعوتها المتكررة إلى "المصالحة الوطنية" وتبني برامج حكومية مركزة، قبل أن تنجز المؤسسات الدستورية المعنية بشؤون ضحايا المرحلة الماضية جزءا من أعمالها، وهو ما يظنه الكثير من العراقيين دعوة صريحة "لطي صفحة الماضي" أو "للعفو والنسيان" فتضعف ثقة الضحايا وذويهم- تدريجيا- بالقائمين على المرحلة الانتقالية، ويفقد مشروع العدالة جوهره وروحه.

المدافعون عن حقوق الإنسان والمتضررون من سياسيات النظام البعثي، على حد سواء، يحتجون بشدة على اعتبار المصالحة تعني طي صفحة الماضي وعفا الله عما سلف، ذلك لان المصالحة الحقيقية يجب أن تكون مرتبطة بالمحاسبة والعدالة والاعتراف بالجرائم الماضية. كما أن النزعة إلى المصالحة تقدم غالبا كهدف نهائي وقابل للإنجاز والتحقق في المستقبل، والإفراط في التركيز على المصالحة دون التماشي مع عناصر العدالة الانتقالية الأخرى قد يؤدي إلى فشل وخيبة أمل كبيرة بين العراقيين.

أجاب ضحية من ضحايا البعث؛ عندما سأل عن رأيه في المصالحة مع رموز النظام السابق وضمهم للدولة أنه " من مصلحة المسئولين العراقيين الذين تقلدوا الحكم بفضل دماء وتضحيات أبناء هذا الشعب، أن يحترموا هذه الدماء، وهذه التضحيات، وأن لا يراهنوا قيد أنملة، لا من قريب ولا من بعيد، على تضحياتنا، وأن يحسبوا حسابا لأي خطوة يخطونها بهذا الاتجاه، لان القضية لا تعنيهم لوحدهم، بل، تعني هذه الطائفة المتضررة والمهضومة، ولينتظروا العدالة حتى تقول قولتها، أو يشاركوا في تحقيقها، وعند ذلك لكل حادث حديث".

والحقيقة أن هناك دعوات إنسانية كثيرة، لا يمكن للحكومة العراقية والداعين إلى المصالحة لوحدها تجاهلها، تدعو جميعها إلى مراجعة شاملة وكاملة لكل الملفات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان إبان النظام السابق، وتطرح هذه الدعوات- للبحث في الماضي وعدم نسيانه كأنه لم يكن- العديد من المبررات المعقولة من أهمها:

1- تقوية الديمقراطية:

يعتبر العديد من الأشخاص أن الديمقراطية لا يمكن أن تقوم على أساس أكاذيب، وأن جهودا مستمرة ومنظمة وتوافقية لمواجهة الماضي يمكن أن تؤدي إلى ديمقراطية أكثر قوة. ويتم ذلك بشكل كبير من خلال إرساء المحاسبة "مثل مكافحة الإفلات من العقاب" ومن خلال بناء ثقافة ديمقراطية.

2- الواجب الأخلاقي في مواجهة الماضي:

يستدل نشطاء حقوق الإنسان والضحايا وغيرهم بأن هناك واجبا أخلاقيا في التذكر، ولقبول الضحايا والاعتراف بهم كضحايا. كما أن نسيان الضحايا والناجين من الفظائع يعتبر شكلا من أشكال إعادة الإحساس بالظلم والأهانة.

3- من المستحيل تجاهل الماضي:

ثمة مبرر آخر وهو أنه من المستحيل تجاهل الماضي أو نسيانه – فهو دائما يطفو على السطح – لذلك من الأفضل إظهاره بطريقة بناءة وشافية. ويمكن أن نطلق على البديل الآخر اسم "فوران" الذاكرة حيث يغلي الغضب وعدم الرضى تحت سطح الحياة السياسية وبالتالي ينفلتان من وقت لآخر.

4- لنمنع ذلك في المستقبل:

طبقا لهذا المبرر نرى أن مواجهة الماضي تخلق نوعا من الردع. فالتذكر والمطالبة بالمحاسبة هما وحدهما الكفيلان بالحيلولة دون ارتكاب أعمال شنيعة في المستقبل.

هذا بالإضافة إلى كون أن العديد من البعثيين مازالوا يمثلون تهديدا حقيقيا للنظام السياسي والأمني بعد 2003، ومازال العديد منهم هاربا من قبضة العدالة، بينما يقبع قلة من منتهكي حقوق الإنسان، لا تتجاوز نسبتهم 2% في أقفاص المحكمة الجنائية العليا، وهم يتمتعون بالأمن والاستقرار، ويحصلون على ألوان شتى من الطعام والشراب، رغم صدور أحكام جنائية مختلفة بحقهم، تتوقف الحكومة العراقية عن تصديقها وتنفيذها لأسباب واهية، يوصفها بعضهم "بالسياسية"، بينما في طرف الآخر يعاني مئات الألف من ضحايا البعث ونظام صدام، أنواعا متعددة من المعانات والآلام، دون أن يحصلوا على الحد الأدنى من حقوقهم المعنوية والمادية في العدالة الانتقالية المفترضة.

ولكي تتحقق العدالة الانتقالي في العراق بجميع عناصرها وشروطها، نطرح مجموعة من المقترحات والآليات تعتبر من الناحية الإنسانية والأخلاقية واجبة على السياسيين والمثقفين العراقيين وغير العراقيين، وينبغي تفعليها، أهمها:

أولا:- ضرورة الاستمرار والتواصل الجدي والعملي لمحاكمة الجناة ومرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان في العراق، محاكمة عادلة ومنصفة، أمام الرأي العام المحلي والدولي، وعدم الاقتصار على بعض رموز النظام السابق من باب ذر الرماد في العيون، والتوسع في شمول رجال الأمن والأمن الخاص وتشكيلات المخابرات والاستخبارات والمجندين المشاركين في أعمال غير قانونية، بالإضافة إلى المدنيين المشاركين مشاركة فعلية في ارتكاب مثل هذه الجرائم، حيث يعتبر موضوع الإفلات من العقاب أو "المساءلة الجنائية" لمرتكبي جرائم الاختفاء القسري أو التعذيب أو بقية انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة، إحدى القضايا العقدية في موضوع تجارب الانتقال الديمقراطي، وما لم يكن هناك محاكمات جدية وشاملة ومعقولة لا تتحقق العدالة الانتقالية أبدا.

ثانيا:- أن إحدى التحديات الكبرى في تجارب الانتقال الديمقراطي بعد المساءلة الجنائية، هي عمليات الكشف ع%
 

 

2009-4-1